موقع الشيخ عاطف عبد المعز الفيومي اا مشكاة النبوة

مهمات في طرق التحمل والرواية

كتبه/ الشيخ عاطف عبد المعز الفيومي.

مما يجب معرفته لطالب الحديث والسنة، معرفته بطرق التحمل والرواية، وصيغ الأداء فيها، لأن معرفته بها أمر مهم للراغب الصادق، والباحث الجامع، وقد تكلم أهل العلم والحديث في هذا الباب، وأوسعوا الكلام لكثرة الحاجة إليه، والتعويل عليه، فتكلموا عن التحمل للحديث ومعناه، وعن الشروط التي يتحقق بها الراوي، وعن طرق التحمل والأداء، وصيغه، وكذلك الإجازة وتعريفها، وأنواعها، وصورها، وضوابطها، وغير ذلك مما يتعلق بما يحتاجه الراوي والمجاز، وهنا نقف على ما سبق الإشارة إليه بإيجاز:

أولًا: شروط التحمل والرواية:

نقول أولًا: تحمل الحديث هو: أخذه عمَّن حدث به عنه، أو أخذه عن الغير. وقد اشترط أهل العلم فيمن يتحمل الحديث شروط:

الأول: أن يكون مميزًا. الثاني: أن يكون ضابطًا حال تحمله. كما قال الإمام الحافظ ابن كثير في "الباعث الحثيث": "يصح تحمل الصغار الشهادة والأخبار، وكذلك الكفار إذا أدوا ما حملوه في حال كمالهم، وهو الاحتلام والإسلام". وكذلك قاله ابن الصلاح في مقدمته، وعلي بن الزين الجرجاني في مختصره: "يصحُّ التحمل قبل الإسلام، وكذا قبل البلوغ، فإن الحسن والحُسين وابن عباس وابن الزبير رضي اللَّه عنهم تحملوا قبل البلوغ، ولم يزل الناس يسمعون الصبيان، واختُلِفَ في الزمن الذي يصح فيه السماع من الصبي، وقيل يعتبر كل صغير بحاله، فإذا فهم الخطاب ورد الجواب صحَّحنا، وإن كان دون خمس وإلا لم يصح".

ثانيًا: طرق التحمل والإجازة:

أما عن طرق تحمل الحديث والإجازة والرواية، فقد بينها علماء الأمة في كتبهم، ودونوها في شروحهم، كما ذكر علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني (المتوفى: 816هـ)، في مختصر أصول الحديث وغيره نوجزها فيما يلي:

• الأول: السماع من لفظ الشيخ: فيقرأ الشيخ أو يملي، والطالب يسمع أو يسمع ويكتب ما يمليه الشيخ، ثم عند الرواية يقول: حدثنا، وسمعت، وهكذا صيغ السماع.

• الثاني: القراءة والعرض عليه: فيقرأ الطالب على شيخه، أو يقرأ غيره، وهو يسمع ويضبط، وتسمى بالعرض كما هو قول جمهور أهل المشرق وخرسان، كما حكاه القاضي عياض في الإلماع، وقالوا: هي درجة ثانية بعد السماع، وهذا وجيه وأصوب كما حكاه ابن الصلاح.

وذهب أبو حنيفة وابن أبي ذئب ومالك: إلى أنها أرفع من السماع وأصح، ثم عند الرواية بها يقول: قرأت على فلان، وقرئ عليه ونحن نسمع، أو أخبرنا، وهذا منقول عن جمع من أهل الحديث، فيجعلون حدثنا للسماع من لفظ الشيخ، وأخبرنا لما قرئ عليه، والله أعلم.

• الثالث: الإجازة: وقد فصلناها في مقام آخر جامع فليراجع.

• الرابع: المناولة:

1- وأعلاها ما يُقرن بالإجازة وذلك بأن يدفع إليه أصل سماعه أو فرعاً مقابلاً به، وأن يقول هذا سماعي وروايتي عن فلان أجزت لك روايته ثم يبقيه في يده تمليكاً أو إلى أن ينسخه.

2 - ومنها: أن يناول الطالب الشيخ سماعه فيتأمله وهو عارف متيقظ ثم يتناوله الطالب ويقول: هو حديثي أو سماعي فارو.. ويسمى هذا: (عرض المناولة) ولها أقسام أخر.

• الخامس: المكاتبة: وهي أن يكتب الشيخ لغائب أو حاضر بخطبه أو بكتبه له، وهي إما مقترنة بالإجازة كأن يكتب: أجزت لك، أو مجردة عنها، والصحيح جواز الرواية على التقديرين.

• السادس: الإعلام: وهو أن يعلم الشيخ الطالب أن هذا الكتاب روايته من غير أن يقول اروه عني، والأصح أنه لا تجوز روايته لاحتمال أن يكون الشيخ قد عرف فيه خللا فلا يأذن فيه.

• السابع: الوِجادة: من يجد وجد؛ مولد، وهو أن يقف على كتاب بخط شيخ فيه أحاديث ليس له رواية ما فيها، فله أن يقول: وجدت أو قرأت بخط فلان أو في كتاب فلان بخطه، حدثنا فلان، ويسوق باقي الإسناد والمتن، وقد استمر عليه العمل قديماً وحديثاً، وهو من باب المرسل، وفيه شوب من الاتصال، واعلم أن قوماً شددوا وقالوا: لا حجة إلا فيما رواه حفظاً. وقالوا: تجوز الرواية من نسخ غير مقابلة بأصولها. والحقُّ أنه إذا قام في التحمُّلِ والضبط والمقابلة بما تقدم جازت الرواية عنه، وكذا إذا غاب عنه الكتاب إذا كان الغالب سلامته من التغيير ولا سيما إذا كان مما لا يخفى عليه تغيير غالباً.

• الثامن: الوصية: هي أن يوصي عند موته أو سفره بكتاب يرويه فجوز بعض السلف للموصى له روايته عنه، وهو غلط، والصواب أنه لا يجوز، كما قاله الإمام النووي وابن الصلاح وغيرهما.

ثالثًا: معرفة الرموز والمصطلحات عند المحدثين:

وهنا لا بد من تنبيه لطالب الحديث في استعمال بعض الرموز والمصطلحات المختصرة، والتي لا يستغني عن معرفتها المبتدئ، والتي تدل عند استعمالها على معنى معين عند أهل الحديث والرواية، حتى يكون على بينة منها، فمن ذلك ما يلي[1]:

• الحديث: وهو كل ما أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خلقية أو خلقية، أو سيرة، وأضاف بعضهم: ما أضيف للصحابي أو التابعي من قول أو فعل.

الأثر: وهو ما أضيف إلى الصحابي أو التابعي فقط، وقد يراد به ما أضيف إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – مقيداً فيقال: وفي الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم.

• الخبر: وهو ما أضيف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى غيره؛ وقيل هو مرادف للحديث.

• السند: هو سلسلة الرواة للحديث الموصلة للمتن.

• الإسناد: هو إسناد الحديث لقائله، أو عزوه إليه.

• المتن: هو الكلام المروي الذي انتهى السند إليه.

• المُسْنَد: بفتح النون، هو ما اتصل سَنَدُه بذكرِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: يَدخُلُ في المسند كلُّ ما ذُكِرَ فيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وإن كان في أثناءِ، سَنَدِه انقطاع، حكاه الإمام الذهبي. وقال الحاكمِ: "المُسْنَدُ: ما رواهُ المحدِّثُ عن شيخٍ يَظْهَرُ سماعُه منهُ، وكذا شيخُه من شيخِهِ مُتَّصلاً إِلى صحابيٍّ إِلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ". ويطلق أيضًا: على الكتاب المجموع فيه مرويات كل صحابي على حدة، كمسند الإمام أحمد الشيباني، وغيره.

• المسنِد: بكسر النون، يطلق على من يروي الحديث بإسناده.

• المحدث: هو المعتني بالحديث وطرقه ورجاله، رواية ودراية.

• الحافظ: هو من حفظ مائة ألف حديث بالإسناد والمتون، ووعاها.

• الحجة: هو من حفظ ثلاثمائة ألف حديث بالإسناد والمتون، ووعاها.

• الأَسناد: الأسناد جمع سنَد، بمعنى الثبَت؛ وهو الكتاب الحاوي للشيوخ والكتب المتصلة السند؛ وهو - في الجملة - بمعنى الفهرست والبرنامج والمشيخة ومعجم الشيوخ، ولكن الثبَت والسنَد يختصان غالباً بالإجازات، ولهذا لا يبلغ حجم الواحد منهما حجم الفهرس أو البرنامج أو المعجم أو المشيخة.والفهرس أو البرنامج يحتوي غالباً على أنواع من المسائل كبعض الأحاديث المسندة، والكلام على الكتب ونُسخها ورواياتها، والتراجم، وغير ذلك.

تنبيه: السند الذي بمعنى الثبَت يجمع على أَسناد، ولا يجمع جمع تكسير آخر[2].

• المعجم: هو الكتاب الذي يجمع فيه الراوي أسماء شيوخه مرتبين على أحرف الهجاء.

• الثبت: هو الكتاب الذي يجمع فيه الراوي مروياته وشيوخه، وقيل: ويجمع معها المشاركين له في الرواية والسماع.

• الفهرس: هو مرادف لتعريف الثبت، ويستعمله أهل المغرب.

• البرنامج: هو مراد لتعريف المعجم، ويستعمله أهل الأندلس.

• المشيخة: هو الكتاب الذي يجمع فيه الراوي أسماء شيوخه ومروياته عنهم.

• الشرط المعتبر: عند أهل الحديث والأثر، هو الضبط، والعدالة.

• المسلسل: هو ما تتابع رجال إسناده على صفة أو حالة للرواة تارة وللرواية تارة، وصفات الروات أقوال وأفعال وأنواع كثيرة غيرها كمسلسل التشبيك باليد والعد فيها، وكاتفاق أسماء الرواة أو صفاتهم أو نسبتهم كأحاديث رويناها كل رجال دمشقيون، وكمسلسل الفقهاء، وصفاة الرواية كالمسلسل بسمعت، أو بأخبرنا، أو أخبرنا فلان والله، وأفضله ما دل على الاتصال، ومن فوائده زيادة الضبط، وقلما يسلم عن خلل في التسلسل، وقد ينقطع تسلسله في وسطه كمسلسل أول حديث سمعته على ما هو الصحيح فيه، والله أعلم، حكاه الإمام النووي.

• الأوائل: هي الكتب المختصرة التي يجمع فيها الراوي أوائل الكتب والمرويات، وأطرافها أحيانًا، لسهولة قراءتها والاستجازة بها، سماعًا لأولها، وإجازة بباقيها.

• الأربعينات: هي الكتب المختصرة التي يجمع فيها الراوي، أربعين حديثًا مما يرويه عن شيوخه، وهي متنوعة فمنها ما يكون بحسب البلدان، ومنها بحسب أحرف المعجم، ومنها بحسب الموضوعات، والحديث في جمع الأربعينات لا يصح، كما حكاه النووي وغيره.

ح، أو صح: يرمز بها للتحول من إسناد إلى آخر إذا كان للحديث أكثر من إسناد، سواء كان التحول عند آخر الإسناد أو في أثنائه، وينطق بها على صورتها فيقال: حا، وأحيانًا يكتبون (صح) بدل (ح). فالمقصود مما ذكرنا آنفا، أن يكون للطالب همة في الاتصال بالحديث وروايته، والسنة وكتبها ورجالها، وأن يحصل منها ما يكفي لرفع الحرج عنه بأنه لم يسمع كتاب كذا، أو لم يرو حديث كذا..

ثنا أو نا أو دثنا: يرمز بها عن حدثنا، وتُقرأ: حدثنا.

أنا أو أرنا أو أبنا: يرمز بها عن أخبرنا، وتقرأ: أخبرنا.

حذف (قال: بين رجال الإسناد خطًا): جرت عادة العلماء، بحذف كلمة (قال) عند قراءة السند خطًا، وإسماعها لفظًا، فيقول القارئ للسند: قال: حدثنا، أو قال أخبرنا، ولكنها غير مدونة في الخط، ولأن في كتابتها كثير مشقة مع كل سند، وفي تركها لفظًا إيهام للسامع بغيره، والصواب ما جرت به العادة.

فإذا حصل له المقصود، فلا يتوسع الطالب أكثر، بل يجعل همته الدراية والفهم والمذاكرة، لأنها هي الأصل في جمعه وطلبه للعلم، وإلا فيكون شغله بالرواية والإجازات من باب إضاعة الأوقات، وصرف الهمم عن المهام العظام والأنفع. 

رابعًا: العنايةبكتب الرواة والتراجم والأثبات:

مما ينبغي العناية به لطالب الحديث والرواية، أن يعتني بكتب الرواة وتراجمهم وسيرهم، وكذلك كتب الأثبات والمعاجم، التي فيها طرق مروياتهم وأسانيدهم.

حتى تتكون لديه ملكة الضبط والنظر في رجال الأسانيد وأحوالهم، ومن ثم يستطيع الدربة على تمييز الأسانيد ورجالها، ومعرفة صحيحها من سقيمها، وموصولها من مقطوعها.

وغير ذلك من الفوائد التي لا تحصى، ولا تعرف إلا بالتجربة والمطالعة، وطول المعانة والنظر.

ومن أشهر الكتب في معرفة الرواة وتراجمهم وأحوالهم:

كتاب التاريخ الكبير للإمام البخاري، وهو مرتبة على أحرف الهجاء، وكتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، وميزان الاعتدال في نقد الرجال للحافظ الذهبي، ولسان الميزان للحافظ ابن حجر العسقلاني، وغيرها.

وقد تصنف هذه الكتب على كتب أخرى، كمعرفة رجال الكتب الستة، وغيرهم، ككتاب الكمال في أسماء الرجال، لعبدالغني المقدسي، وتهذيب الكمال في أسماء الرجال لجمال الدين المزي، والتهذيب والتقريب، لابن حجر العسقلاني.

أما كتب الأثبات والفهارس والمرويات:

فهي كثيرة جدًا، وقد اعتنى بها السابقون واللاحقون تألفيًا وجمعًا وتصنيفًا، وقد يجمعها الشيخ بنفسه، وقد يجمعها له أحد أبناءه، أو أحد تلاميذه وطلابه، أو مجتهد باحث، ثم يخرجها في ثبت أو معجم أو فهرس، مما هو معروف مشتهر.

خامسًا: صيغأداء الحديث وشروط قبوله:

شروط قبول أداء الحديث:

اشترط العلماء لقبول الأداء والرواية في الحديث شروطًا: منها:

العقل، والبلوغ، والإسلام، والعدالة، والسلامة من الموانع الخارمة للمروءة حال الأداء.

صيغ الأداء للحديث والرواية:

إن أداء الحديث معناه: تبليغه للغير، أو نقله، أو الإذن بروايته.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: "ويؤدي الحديث كما سمعه حتى في صيغ الأداء، فلا يبدل: حدثني بأخبرني أو سمعت أو نحوها؛ لاختلاف معناها في الاصطلاح، نقل عن الإمام أحمد أنه قال: اتبع لفظ الشيخ في قوله: حدثني، وحدثنا، وسمعت، وأخبرنا، ولا تَعْدُه"[3].

وأما صيغ الأداء: فهي ما يؤدى بها الحديث، ولها مراتب:

الأولى: سمعت، حدثني، إذا سمع وحده من الشيخ، فإن كان معه غيره قال: سمعنا وحدثنا.

الثانية: قرأت عليه، أخبرني قراءة عليه، أخبرني، إذا قرأ على الشيخ.

الثالثة: قرئ عليه وأنا أسمع، قرأنا عليه، أخبرنا، إذا قرئ على الشيخ وهو يسمع.

الرابعة: أخبرني إجازة، حدثني إجازة، أنبأني، عن فلان؛ إذا روى عنه بالإجازة. وهذا عند المتأخرين، أما المتقدمون فيرون أن حدثني وأخبرني وأنبأني بمعنى واحد، يؤدي بها من سمع من الشيخ. وذكر الخطيب البغدادي، عن يحيى بن سعيد قال: ينبغي للرجل أن يحدث الرجل كما سمع، فإن سمع يقول: حدثنا، وإن عرض يقول عرضت، وإن كان أجازه يقول: أجاز لي.

وسئل الأوزاعي عن الرجل يقرأ على الرجل الحديث يقول حدثنا؟ قال: لا يقول كما صنع قرأت، وقال أحمد بن حنبل: إذا سمعت من المحدث فقل: حدثنا، وإذا قرأت عليه فقل: قرأت، وإذا قرئ عليه يقول: قرئ عليه[4].

______________________

[1] ذكرت هنا ما تيسر منها لحصول الفائدة بها، وللتوسع تراجع كتب علوم الحديث والمصطلح.

[2] انظر: لسان المحدثين، لمحمد خلف سلامة

[3]علم مصطلح الحديث: لابن عثيمين.

[4] الكفاية في الرواية: 299.

 

 

التعليقات

إضافة تعليق