موقع الشيخ عاطف عبد المعز الفيومي اا مشكاة النبوة

شيوع رواية الحديث وبداية تدوين السنة

كتبه/ الشيخ عاطف عبد المعز الفيومي.

أولًا: شيوع الرواية وبداية تدوين السنة:

انتشرت رواية الحديث بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستقرار عصر الخلافة، ذلك أن الصحابة في أول عهود الخلافة كانوا يتشددون في أمر الرواية والنقل، خشية وقوع الكذب على رسول الله، والتقول عليه بما لم يقله، وخشية انشغال الأمة عن القرآن ومدارسته، وسرعان ما استقر أمر الأمة واحتاج المسلمون إلى الحديث وروايته، لأحداث وأمور تقع بين وقت وآخر.

فشاعت الرواية في جيل الصحابة وأتباعهم، وصار الرواة بها رجالًا وركبانًا، فظهر في جيل التابعين مجاهد بن جبير، وسعيد بن جبير، ومقسم بن بجرة، وخالد الكلاعي، وأبو الزبير المكي، ومحمد بن شهاب الزهري، وغيرهم، ممن دونوا وكتبوا وجمعوا.

ثم لما اتسعت رقعة الفتوحات الإسلامية للبلاد، ودخل من سائر البلدان فئام وأقوام من الناس لا يحصون في دين الإسلام، وظهرت بعض الفتن فأحدثت تفرقًا في الصف المسلم وظهرت الفرق، ظهر إثرها الوضاعون والكذابون والمدلسون في العلم والحديث، وصار في بعض البلدان والأمصار من يلبس على الناس في شرائعهم، ودينهم، فاستلزمت هذه السلسلة من التقلبات والأحداث والفتن، حفظ السنة النبوية المطهرة وعلومها، من أيدي العابثين والكذابين.

ولهذا جاء عن ابن سيرين أنه قال: كانوا لا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة. قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، والى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم.

وجاء في صحيح الإمام مسلم؛ عن عبدان بن عثمان يقول: سمعت عبدالله بن المبارك يقول: "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". وقال محمد بن عبدالله، حدثني العباس بن أبي رزمة، قال: سمعت عبدالله يقول: "بيننا وبين القوم القوائم يعني الإسناد"[1].

فظهرت حركة تدوين السنة والحديث ظهور تدريجيًا، وكان عمادها الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله -، وقد جاء عند البخاري: "كتب عمر بن عبدالعزيز إلى أبي بكر بن حزم انظر ما كان من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء" وفي لفظ أبي نعيم: "كتب عمر بن عبدالعزيز إلى الآفاق انظروا ما كان من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاجمعوه".

ثم قام بأول الجمع المحدث الكبير محمد بن شهاب الزهري، حتى قال عن نفسه: "لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني"، ثم جاء الإمام الأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بالبصرة، والإمام مالك بن أنس بالمدينة، ومعمر باليمن وجرير بن عبدالحميد بالري، وابن المبارك بخراسان، وغيرهم فجمعوا وحدثوا وصنفوا، رحمهم الله جميعًا.

وكانت هناك همة أيضًا في جمع ما يتعلق بالرواية، وآداب الراوي والمحدث، وطرق التحمل والرواية، وعلوم الحديث وأنواعها، وكان من السابقين إلى هذا القاضي أبو محمد الحسنُ بنُ عبدالرحمن بن خَلاَّد الرَّامَهُرْمُزِي، في كتابه الشهير "الْمُحَدِّث الفاصل بين الراوي والواعي"، وكذلك كتب الإمام أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن البَيِّع النَّيْسَابُورِي المعروف بالإمام الحاكم في كتابه، "معرفة علوم الحديث"، وكذلك كتب الخطيب البغدادي أبو بكر أحمدَ بنَ عليِّ بنِ ثابت، في كتابه "الكفاية في علم الرواية"، و"الجامع لأخلاقالراوي وآداب السامع"، ثم تتابعت المصنفات بحثًا وجمعًا وتهذيبًا، حتى كان الإمام أبو عمرو بن الصلاح، صاحب المقدمة الشهيرة "مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث"، فكانت من أهم ما كتب في علوم الحديث وروايته.

ثم تتابعت المصنفات في ذلك حتى ازدهرت معالم علم الحديث، ودون فيه علم المصطلح، وعلم الرجال، وعلم الجرح والتعديل، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم غريب الحديث، وعلم التخريج ودراسة الأسانيد، وعلم مختلف الحديث ومشكله، وعلم العلل، وغيرها من علوم الحديث، التي امتدت عبر مسيرة الأمة الإسلامية، منذ عصر الصحابة وإلى يومنا هذا.

♦♦♦♦♦

ثانيًا: طرق تدوين المصنفات:

وقد نهج أهل العلم والحديث في تدوين الحديث وعلومه طرقًا متنوعة ومشتهرة، منها:

طريقة المسانيد: وهي لجمع أحاديث كل صحابي على حده، وقد يكون الكتاب الواحد جامعًا لعدد من مسانيد الصحابة الكرام، وقد يفرده المصنف لصحابي واحد، كمسند الإمام أبي داود الطيالسي، ومسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى الموصلي وغيرها.

طريقة المعاجم: وهي لجمع أسماء الصحابة والأعلام والمحدثين، ويقع ترتيبهم فيها على طريقة أحرف الهجاء، من أولها لآخرها، ثم يجعل تحت كل حرف منها أسماء الصحابة أو الشيوخ، وقد تكون أحيانًا هذه المعاجم على طريقة البلدان والأماكن، والمعاجم كثيرة منها: معجم الإمام الطبراني الكبير، والأوسط، والصغير، ومعجم البلدان لأبي يعلى الموصلي.

طريقة الأبواب الجامعة للدين: وهي تكون في جمع كل ما يتعلق بجوامع أبواب الإسلام والشريعة، من العقيدة، والتوحيد، والإيمان، والعبادات، والأخلاق، والآداب، والمعاملات، والسير، والتراجم، والفتن والملاحم، والزهد والرقائق.

ومن أشهر الكتب في هذه الطريقة، صحيح الإمام البخاري، وصحيح الإمام مسلم، وسنن الإمام الترمذي "الجامع الصحيح"، وغيرها.

طريقة الأبواب الفقهية: وهي طريقة جامعة لأبواب الدين والشريعة لكن يغلب عليها الجمع الفقهي المتعلق خاصة بأحكام الطهارة والصلاة، والصيام والحج والعمرة، والأنكحة، والبيوع والمعاملات.

ومن أشهرها: سنن أبي داود السجستاني، وسنن النسائي "المجتبى"، وسنن ابن ماجه، والشافعي، والدارمي، والبيهقي، والدارقطني.

طريقة الموضوعات: وهي لجمع كتاب تدور أحاديثه في موضوع معين لا تخرج عنه، كالترغيب والترهيب للإمام المنذري، والزهد للإمام أحمد، ولابن المبارك، والشمائل المحمدية للترمذي، ورياض الصالحين للنووي.

طريقة الأحكام: وهي لجمع الكتب الجامعة لأحاديث الأحكام فحسب دون غيرها، ككتاب عمدة الأحكام، والأحكام الكبرى لعبد الغني المقدسي، والإمام، والإلمام في أحاديث الأحكام لابن دقيق العيد، والمنتقى للمجد ابن تيمية، وبلوغ المرام للحافظ ابن حجر، وشروحها كسبل السلام للصنعاني، ونيل الأوطار للشوكاني.

طريقة الأجزاء: وهي لجمع مرويات الرواة عن شيخ أو أكثر ممن حصلت له الرواية عنهم، وهي كثيرة جدًا، كجزء القراءة خلف الإمام، وجزء رفع اليدين في الصلاة للبخاري، وجزء ما رواه أبو حنيفة عن الصحابة، لعبد الكريم بن عبدالصمد الطبري، وجزء البعث لأبي داود.

طرق أخرى: وهي بحسب غرض الموضوع أو المؤلف فيها، كالمصنفات، كمصنف عبدالرزاق الصنعاني، وابن أبي شيبة، والموطآت، كموطأ مالك، وابن أبي ذئب المدني، وابن المبارك، وكتب الصحاح، كالبخاري، ومسلم، والموطأ، والمستدركات، كمستدرك الحاكم، وكتب الأطراف والزوائد، كمصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه لأبي العباس البوصيري، والمطالب العالية لابن حجر العسقلاني، والجوامع، كجامع الأصول لابن الأثير، ومجمع الزوائد للهيثمي"[2].

فكل ما ذكرناه ينتفع بمعرفته طالب الحديث المبتدئ، ويزيده قربًا من كتب الحديث والسنة، ومعرفة طرق التعامل معها، والاستفادة منها.

♦♦♦♦♦

ثالثًا: دواوين الحديث والسنة الأمات:

وقد استقرت الأمة على رجال الحديث والأثر، الذين علت همتهم في جمع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والذين جمعوا الحديث في مصنفاتهم الباهرة، بعد أن طافوا البلاد والأمصار، وبذلوا الغوالي من الأموال والأوقات والأعمار، ونسخوا الحديث في صحائفهم، وأجروا له الأحبار، فصارت كتبهم وعلومهم وسيرتهم الزاكية، مسير الشمس في الأمصار والأقطار، وحفظ الله بهم شريعة الإسلام، وسنة المختار، فمنهم أصحاب الكتب التسعة الأعلام، شيوخ الحديث والسنة أئمة الإسلام، وهذه الكتب هي:

الأول: صحيح البخاري، وقد جمعه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، المتوفى سنة 256هـ.

الثاني: صحيح مسلم، وقد جمعه الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري، المتوفى سنة 261هـ.

الثالث: سنن أبي داود، وقد جمعها الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، المتوفى سنة 275هـ.

الرابع: سنن الترمذي، وقد جمعها الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، المتوفى سنة 279هـ.

الخامس: سنن النسائي، وقد جمعها الإمام أحمد بن شعيب النسائي، المتوفى سنة 303هـ.

السادس: سنن ابن ماجه، وقد جمعها الإمام محمد بن ماجه القزويني، المتوفى سنة 273هـ.

السابع: مسند أحمد، وقد جمعه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، المتوفى سنة 241هـ.

الثامن: موطأ مالك، وقد جمعه الإمام مالك بن أنس الأصبحي، المتوفى سنة 179هـ.

التاسع: سنن الدارمي، وقد جمعها الإمام عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي، المتوفى سنة 255هـ.

وقد اشتهرت بين الأمة، وإن كان هناك غيرها من المصنفات الجامعة النافعة، وغدت شهرتها في الآفاق، وسمعت بها الأجيال، وتناقلتها عبر القرون بالسماع والإجازة والرواية، والشرح والدراسة والدراية، وانكب عليها العلماء والمحدثون، والفقهاء والباحثون، يستخرجون من علومها، وينهلون من معينها، ويفسرون غوامضها، ويبينون مبهمها، ويفكون عباراتها، ويضعون عليها التعليقات الحسان، والشروح والبيان، ويبينون الصحيح فيها والحسن، والضعيف والموضوع والوهن، حتى صارت للأمة منارًا، وللخيرات مسارًا.

وكيف لا، وكثير منها من كلام النبي المختار، ومن وحي الله الغفار، وكيف لا، وهي هداية للسائرين، وصلاح للتائبين، وتبيان للحائرين، ومنار للسالكين، وعظة للمتقين، فبها السعادة في الدارين، والفوز بالحسنيين، نسأل الله من كريم فضله، وعظيم جوده ومنه.

♦♦♦♦♦

رابعًا: العناية بشروح كتب الحديث والسنة:

ومما ينبغي أن يلتفت إليه طالب الحديث هنا: العناية بشروح كتب الحديث النبوي، والسنة المطهرة، دراسة ومذاكرة ومطالعة، فشروح البخاري كثيرة، ومن أهمها: فتح الباري لابن حجر، وفتح الباري لابن رجب، وشرح الكرماني، وشرح العيني، وشرح القسطلاني.

وشروح مسلم من أشهرها: شرح النووي، وشرح السنوسي، وغيرهما.

وشروح أبي داوود: كمعالم السنن للخطابي، وعون المعبود، وبذل المجهود.

وشروح الترمذي: كعارضة الأحوذي لابن العربي، وتحفة الأحوذي للمباركفوري.

وشروح الموطأ: كتنوير الحوالك للسيوطي، وأوجز المسالك للكاندهلوي.

وكذلك العناية بسائر الكتب، كشروح مشكاة المصابيح، والمسند، والجوامع، ورياض الصالحين، والأربعين النووية، وعمدة الأحكام، وغيرها من الكتب المعتمدة والمشهورة عند أهل العلم والحديث والأثر.

وإن الاستفادة والتحصيل الدائم من هذه الشروح الباهرة، ليكسب طالب الحديث فهمًا ورسوخًا في العلم، وهمةً عاليةً في المذاكرة والمطالعة، وينتج فيه ملكة ودربة تعينه على التعمق في أسرار الكتاب والسنة، مما يرسخ فيه معاني الهدى والإيمان، ومعالم اليقظة والفهم، وأصول الفقه والعلم.

وخلاصة القول:

أن على طالب الحديث أن يجتهد ويجد قدر استطاعته، في تحصيل ما أمكن منها، ويتعمق في فهمها ودراستها، فإذا ضاقت عليه الأوقات، وضعفت منه الهمة، فلا أقل من أن يضرب في كل منها بسهم، وأن يلم من معرفتها بكم، حتى يكون ذا بصيرة ناقدة، ولا يكون بأصول علمه جاهلًا، فيغدو في علم الحديث خاليًا، وبين الأقران عاطلًا، فلا أفاد علمًا، ولا استفاد فهمًا.

♦♦♦♦♦

خامسًا: الاتصال بدواوين الحديث بالرواية وفوائده:

ومما يلتفت إليه طالب الحديث أيضًا: تحصيل الاتصال بهذه الدواوين وغيرها، بالسماع والإجازة والرواية، وذلك يكون بطرق تحمل الحديث وروايته بالإسناد المتصل إلى أصحابها، فيقرأ هذه الكتب على شيخ مسند متقن، أو يسمعها قراءة عليه، وإن كان ضابطًا لها فيصح له تحملها بالإجازة وروايتها.

♦♦ لأن في تحصيل الإسناد والاتصال بأصحاب كتب الحديث والسنة من الصحاح، والسنن، والمسانيد، والمعاجم، وغيرها عدة فوائد مهمة:

منها: أن الإسناد من الدين:

وإن كان تحصيله في زماننا شرفيًا، فالإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، وهو من خصائص أمة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإن علم الحديث بعد ازدهاره وتأصيله أصبح يعتمد على ركنين مهمين:

الأول: وهو الإسناد والتلقي.

والثاني: وهو المتن، فقد يتعدد للمتن الواحد عدة أسانيد وبطرق شتى.

وقد اهتم جمع من أهل العلم بذكر أهمية الإسناد والتلقي، فقد جاء في صحيح الإمام مسلم؛ عن عبدان بن عثمان يقول: سمعت عبدالله بن المبارك يقول: "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". وقال محمد بن عبدالله، حدثني العباس بن أبي رزمة، قال: سمعت عبدالله يقول: "بيننا وبين القوم القوائم يعني الإسناد".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "علم الإسناد والرواية مما خصَّ الله به أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، وجعله سُلَّماً إلى الدراية، فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات، وهكذا المبتدعون من هذه الأُمَّة أهل الضلالات، وإنما الإسناد لِمَنْ أعظم الله عليه المِنَّة، أهل الإسلام والسُّنَّة، يُفرقون به بين الصحيح والسقيم، والمُعْوَجِّ والقويم".

وذكر الخطيب البغدادي - رحمه الله - عن محمد بن حاتم بن المظفر - رحمه الله - أنه قال: "إن الله أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد، وإنما هي صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، وليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل مما جاءهم به أنبياؤهم، وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات".

ومن الفوائد أيضًا:

ضبط الألفاظ والكلمات: ذلك أن الذي يتلقى هذه الكتب بالسماع والقراءة، يحصل له من ضبط الألفاظ والكلمات الشيء العظيم، فيعرف الفروق بين المعاني، وأوجه القراءة، والمتشابهات في الخط، المفترقات في المعنى، والأسماء والألقاب والكنى، فيضبط كل ذلك مرة بعدة مرة، كما يعتني بضبط المتفق والمفترق.

ومن الفوائد: معرفة الأعلام والوفيات، والتراجم والسير، والأحداث والتأريخ: ذلك أن القارئ أو السامع يقرأ من التراجم والسير والأعلام كالصحابة والخلفاء والعشرة المبشرين بالجنة وغيرهم، وكذلك من التابعين وتابعيهم بإحسان، كسعيد بن المسيب، وعبدالله بن المبارك، وسفيان بن عيينة، والثوري، وابن دينار، والحسن البصري، والأوزاعي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومحمد بن شهاب الزهري، وابن عساكر، والمزي، والذهبي، وابن رجب الحنبلي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم كثير، فيعرف من سيرهم وحياتهم، ورحلتهم وطلبهم، ومؤلفاتهم وكتبهم، وأخلاقهم وخشيتهم، وتقواهم وعبادتهم، ما لو ظل وحده ما عرف من ذلك إلا النزر اليسير.

ومن الفوائد: حصول الاتصال بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وكثرة الصلاة والسلام عليه، بسماع حديثه، وقراءته، والانتفاع بمجالسه، وكفى بهذه فائدة، فإن من العلماء من شدد النكير والمنع على رواية الحديث بلا إسناد من سماع أو إجازة أو عزو لمصدره الصحيح، وشدد المنع في ذلك تحريًا للحق والصواب، كما قال ابن خير الإشبيلي: "أجمع العلماء على أنه لا يصح لمسلم أن يقول: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- كذا... حتى يكون عنده ذلك القول مروياً ولو على أقل وجوه الرواية".

ومن الفوائد: أن التلقي والسماع والاستجازة بالأسانيد والمرويات من الشيوخ والمسندين، من علامات أهل الإيمان والحديث والسنة، خلافًا لحال أهل البدع والأهواء، كما قال ابن رحمون (في نظم الدر والعقيان كما في: فهرس الفهارس ص 81): "كان من سنة علماء الحديث طلب الإجازة في القديم والحديث حرصاً على بقاء الإسناد ومحافظة على الشريعة، وهي التي نسيت في هذه الأعصار، وأهملوا السند والإجازة وحسبوا أن العلم بمجرد التدريس والحيازة".

ومن الفوائد: الرفق بطلاب العلم والحديث، والتيسير عليهم في مشقة الرحلة والسفر، فكثير منهم، تقع لهم الموانع كالمرض، والفقر، ومنع السلطان، وقطاع الطرق، وغيرها، وقد قال الحافظ أبو طاهر السلفي: (في كتابه الوجيز في ذكر المجاز والمجيز ص 35).

"ومن منافع الإجازة أيضا أن ليس كل طالب وباغ للعلم فيه راغب، يقدر على سفر ورحلة؛ وبالخصوص إذا كان مرفوعًا إلى علة أو قلة أو يكون الشيخ الذي يرحل إليه بعيدًا وفي الوصول إليه يلقى تعبًا شديدًا.

فالكتابة حينئذ أرفق، وفي حقه أوفق؛ ويعد ذلك من أنهج السَنن، وأبهج السُنن، فيكتب من بأقصى المغرب إلى من بأقصى المشرق فيأذن له في رواية ما يصح لديه من حديث عنه، ويكون ذلك المروي حجة كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-. فقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كتب إلى كسرى وقيصر وغيرهما مع رسله فمن أقبل عليهم وقبل منهم فهو حجة له، ومن لم يقبل ولم يعمل فحجة عليه".

وقال الإمام الحافظ ابن رشيد السبتي (ت 721هـ) - رحمه الله -: "وإنما اعتمد الناس منذ مدة متقدمة على الإجازة المطلقة والكتابة المطلقة توسعة لباب النقل وترحيباً لمجال الإسناد، لعزة وجود السماع على وجهه في هذه الأعصار: بل قبلها بكثير، وتعذر الرَّحْل في أكثر الأحوال، واعتماداً على أن الأحاديث لما صارت في دفاتر محصورة، وأمات مصنفات مشهورة، ومرويات الشيوخ في فهارس مفهرسة، قام ذلك عندهم مقام التعيين الذين كان من مضى من السلف يفعله، فاكتفى المجيزون بالإخبار الجملي، واعتمدوا في البحث عن التفصيل على المجاز إذا تأهل، فكانت رخصة أخذ بها جماهير أهل العلم إبقاء لسلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمة، ولله الحمد والمنة"[3]. والفوائد كثيرة معلومة.

ولهذا اعتنى جم غفير من السلف الصالح، وإلى يومنا هذا بالإسناد وتحمله، وتحصيل السماعات والإجازات في كتب السنة والحديث، والفقه والشريعة واللغة وغيرها، لعلمهم أن الإجازة والرواية سنة ماضية في هذه الأمة، وأنها من علامات أهل السنة والجماعة.

ولهذا نجد من جمع مسموعاته ومروياته عن شيوخه في كتب ومصنفات وأجزاء، وبعضهم جعلها على أبواب في العلم، وبعضهم جمعها في ثبت أو برنامج أو فهرس، وبعضهم يجعلها بذكر مشيخته وإجازاته، ولهذا كثرت الأثبات والمعاجم والفهارس في تدوين هذه المسموعات والإجازات، وذلك لكمال عنايتهم وإجلالهم لها.

قال الإمام صلاح الدين الصفدي:

"وأما كتب المحدثين في معرفة الصحابة رضي الله عنه مثل الاستيعاب لابن عبدالبر، وأسد الغاب لابن الأثير، وغيرهما وكتب الجرح والتعديل والأنساب ومعاجم المحدثين ومشيخات الحفاظ والرواة، فإنها شيء لا يحصره حد، ولا يقصره عد، ولا يستقصيه ضبط، ولا يستدنيه ربط، لأنها كاثرت الأمواج أفواجاً، وكابرت الإدراج اندراجاً"[4].

♦♦♦♦♦

سادسًا: اتصالي بكتب الحديث ودواوين السنة:

وقد شرفني الله بفضل منه وعطاء، ولست لذاك أهل، ولم يخطر لي على قلب قط، لكن شرفني ربي أن هداني لسلوك سبيل أهل الخير والفضل والإسناد النبلاء، فتلقيت عن كثير منهم علم الرواية والمرويات، والمسموعات والإجازات، سواء أكانت باللقاء والحضور، أو بالمكاتبة والإجازة، أو بالوكالة، أو بوسائل العصر كالهاتف والشبكة وغيرها، والتي استفاد الكثيرون منها حقًا، وهذا من عظيم نعم الله على عباده.

وقد من الله على عبده - الكاتب - برواية كتب السنة النبوية الغراء، وصح لي رواية هذه الكتب الأمات وهي: "صحيح الإمام البخاري، وصحيح مسلم، والسنن الأربعة، لأبي داود، وابن ماجه، والترمذي، والنسائي، وسنن الدارمي، والموطأ، ومسند الإمام أحمد".

وذلك عن جمع من الشيوخ والمسندين، والاتصال بأصحابها، إما ضمنًا كما في قراءة "الأوائل السنبلية"، وعقد الجوهر الثمين المعروف بـ"الأوائل العجلونية" من أطرافها، وغيرها من مثلها، وإما رواية استقلال لسماع بعض منها، أو لغالبها، أو لجميعها، وإما رواية إجازة عامة بعموم الرواية وهذا كثير منثور، عن جمع من الشيوخ النبلاء، والمسندين الفضلاء.

ومن هذه الطرق في الاتصال والرواية: طريق شيخنا المسند الأصيل، عبدالوكيل بن عبدالحق الهاشمي المكي، وطريق الشيخ المسند عبدالرحمن بن عبدالحي الكتاني، والشيخ المسند عبدالشكور بن هاشم فياض البُرماوي الأركاني المظاهري - رحمه الله - (ت:1433هـ)، والشيخ المسند العلامة صبحي بن جاسم السامرائي (ت: 16 شعبان 1434هـ)، والشيخ علي بن سالم بن سعيد بن بكير باغيثان الحضرمي، والشيخ المسند غلام الله بن رحمة الله بن محمد بن عثمان الكاكري الأفغاني أصلًا، والباكستاني موطنًا، والشيخ المسند محمد إسرائيل بن محمد إبراهيم بن عبدالحليم الندوي السلفي، والشيخ المسند ثناء الله بن عيسى خان بن إسماعيل خان الزاهدي المدني، والشيخ المعمر محمد بن عبدالله الشجاع آبادي الباكستاني، والشيخ مساعد البشير السوداني، والشيخ حامد بن أكرم البخاري.

وكذلك طريق الشيخ المعمر أحمد بن قاسم اليقيني الحسني التهامي، والشيخ السلفي المحقق محمد زهير بن مصطفى بن أحمد الشاويش الحسيني الهاشمي الميداني الدمشقي البيروتي (ت:1434هـ) - رحمه الله -، والشيخ المعمر محمد فؤاد طه الدمشقي، والشيخ العلامة المعمر محمد بن عبدالرحمن بن إسحاق بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ، وغيرهم.

وتفصيل هذه الطرق يأتي في حينه، إن شاء الله الكريم، وقد أشرت إلى بعضها في ثبتنا الوجيز "فتح الرب العلي، إلى مرويات الفيومي"[5]، والحمد لله رب العالمين.

_____________________

[1] انظر صحيح الإمام مسلم.

[2] انظر: مقدمة ابن الصلاح، والتقريب والتيسير للنووي، ومباحث في علوم الحديث، لمناع القطان.

[3] السنن الأبين والمورد الأمعن: 55،54.

[4] كتاب الوافي بالوفيات: للصفدي: 1/55.

[5] ثبت مختصر صغير، جمعت فيه قرابة سبعين ممن أروي عنهم من شيوخنا المسندين.

 

التعليقات

إضافة تعليق