موقع الشيخ عاطف عبد المعز الفيومي اا مشكاة النبوة

حرص الصحابة على التلقي ورواية الحديث

كتبه/ الشيخ عاطف عبد المعز الفيومي.

مما يجب معرفته لطالب الحديث والسنة، معرفته بأحوال الصحابة الكرام، وكمال حرصهم، وعلو همتهم في التلقي والرواية للسنة، فالمتأمل لتأريخ تدوين السنة والحديث ونشأته، يرى كيف كان حال الصحابة الأجلاء في تلقي حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكيف كانت روايتهم وتثبتهم ودقتهم فيه.

لقد كان الصحابة الأُول أحرص الخلق في عصر النبوة الأولى لسماع الحديث وروايته، كما كانوا أعظم الناس مكانة ومحبة وتضحية في جمعه ونشره، امتثالًا منهم رضي الله عنهم لأمر الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ [التوبة: 122].

وكذلك امتثالًا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبة يوم النحر: "فليبلغ الشاهد منكم الغائب"، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها" وقوله أيضًا: "نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلّغه كما سمع، فرب مبلغ أوعى من سامع"، وقوله أيضًا - صلى الله عليه وسلم -: "بلغوا عني ولو آية".

فكانت تلك النصوص الشرعية، مع سابق الإيمان والحب في قلوبهم لله ورسوله، أشد وقعًا في نفوسهم، ورفعًا لهممهم، ودافعًا لهم نحو الطلب والتلقي، والرحلة والتعلم.

ولهذا جاء في حديث طويل، أخرجه البخاري ومسلم، والحاكم وابن حبان، عن أنس قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتيه الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع فأتاه رجل منهم، فقال: يا محمد، أتانا رسولك، فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: "صدق"، قال: فمن خلق السماء؟

قال: "الله"، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: "الله"، قال: فمن نصب هذه الجبال؟، قال: "الله"، قال: فمن جعل فيها هذه المنافع؟ قال: "الله"، قال: فبالذي خلق السماء والأرض، ونصب الجبال، وجعل فيها هذه المنافع؛ الله أرسلك؟، قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟ قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك أن علينا صدقة في أموالنا، قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟، قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر في سنتنا، قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟ قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا، قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟، قال: "نعم"، قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فلما مضى، قال: "لئن صدق ليدخلن الجنة".

وقد عقب على هذا الحديث الحاكم النيسابوري "في معرفة علوم الحديث" بفائدة جليلة فقال:

"وهذا حديث مخرج في المسند الصحيح لمسلم، وفيه دليل على إجازة طلب المرء العلو من الإسناد، وترك الاقتصار على النزول فيه، وإن كان سماعه عن الثقة إذ البدوي لما جاءه رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بما فرض الله عليهم لم يقنعه ذلك، حتى رحل بنفسه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسمع منه ما بلغه الرسول عنه، ولو كان طلب العلو في الإسناد غير مستحب لأنكر عليه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - سؤاله إياه عما أخبره رسوله عنه، ولأمره بالاقتصار على ما أخبره الرسول عنه".

وقد روى البخاري أيضًا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد - وهي من عوالي المدينة - وكنا نتناوب النزول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئت بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك" فانظر كيف كانوا يتناوبون في طلب الحديث وسماعه.

حتى النساء كن أصحاب همة عالية في ذلك، فقد روى البخاري عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قالت النساء للنبي: غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوماً من نفسك، فوعدهن يوماً لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن، فكان فيما قال لهن: ما منكن امرأة تقدِّم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجاباً من النار. فقالت امرأة: واثنتين، فقال: واثنتين".

وهذا الصحابي جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - يضرب رحلة جليلة في طلب الحديث فيقول: "بلغني عن رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم أسمعه منه" قال: "فابتعت بعيراً فشددت عليه رحلي فسرت إليه شهراً حتى أتيت الشام فإذا هو عبد الله بن أنيس الأنصاري قال: فأرسلت إليه أن جابراً على الباب قال: فرجع إليّ الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟

فقلت: نعم. قال: فرجع الرسول إليه فخرج فاعتنقني واعتنقته قال: قلت: "حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المظالم لم أسمعه فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه" فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "يحشر الله العباد" أو قال: "يحشر الله الناس" قال: - وأومأ يده إلى الشام - "عُراةً غُرلا بهُماً" قلت: "وما بهماً؟" قال: "ليس معهم شيء" الحديث.

وكذلك راوية السنة الأكبر عبد الرحمن بن صخر الدوسي المعروف "بأبي هريرة" رضي الله عنه، فأحاديثه تفوق الآلاف، وقد كان من أكثر الناس رواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان قد قصد حفظ أقوال الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وضبط أحواله؛ كما حكاه السيد رشيد رضا - رحمه الله -، لأجل أن يستفيد منها، ويفيد الناس، ولأجل هذا كان يلازمه ويسأله، وكان أكثر الصحابة لا يجترئون على سؤاله إلا عند الضرورة، وقد ثبت أنهم كانوا يُسَرُّون إذا جاء بعض الأعراب من البدو وأسلموا؛ لأنهم كانوا يسألون النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ومن الدلائل على هذا السبب، ما رواه عنه البخاري، قال: قلت: يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: "لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث".

وما رواه أحمد عن أُبيّ بن كعب: أن أبا هريرة كان جريئًا على أن يسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أشياء لا يسأله عنها غيره.

وعن طلحة بن عُبيد الله: لا أشك أن أبا هريرة سمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لم نسمع.

وقال الإمام الشافعيّ: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، وقال البخاري مثل ذلك، إلا أنه قال: عصره. بدل دهره.

وأعظم من ذلك، ما رواه الترمذي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لأبي هريرة: أنت كنت ألزمنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحفظنا لحديثه.

وكيف لا يكون كذلك وقد بشر ببشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - له بعدم النسيان، كما ثبت في حديث بسط الرداء المتقدم، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي هريرة: "ابْسُطْ رِدَاءَكَ"، فَبَسَطْهُ. فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "ضُمّهُ". قال أبو هريرة: فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ"، رواه البخاري.

قال الشيخ رشيد رضا - رحمه الله -: "فمن تدبر هذه الأسباب لم يستغرب كثرة رواية أبي هريرة، ولم ير استنكار أفراد من أهل عصره لها موجبًا للارتياب في عدالته وصدقه؛ إذ علم أن سبب ذلك الاستنكار عدم الوقوف على هذه الأسباب، على أن جميع ما أخرجه البخاري في صحيحه له "446: حديثًا"، بعضها من سماعه، وبعضها من روايته عن بعض الصحابة، وهي لو جمعت لأمكن قراءتها في مجلس واحد؛ لأن أكثر الأحاديث النبوية جمل مختصرة"[1].

وكذلك أم المؤمنين عائشة بنت الصديق، عالمة الأمة، وفقيهة بيت النبوة، وبحر السنة، رضي الله عنها، ومن تأمل كتب السنة والمسانيد، خرج له كمٌّ كبير وصحيح من روايات أم المؤمنين - رضي الله عنها - وما ذاك إلا لأنها كانت ملازمةً لبيت النبوة لا تفارقه، حديثةَ السن، وقَّادة الحفظ والذكاء، مُحبَّة للتَّلقي والفهم والعمل.

ولقد جمعتْ من هذا كلِّه علمًا جمًّا غزيرًا، كما قال الزهري - رحمه الله تعالى -: لو جُمع علم عائشة إلى علم جميع النساء، لكان علم عائشة أفضل[2].

كما أن الله قد وهبها الذكاء والفطنة وسرعة الحافظة؛ قال ابن كثير: "لم يكن في الأُمم مثل عائشة في حِفظها وعِلمها، وفصاحتها وعقلها"، ويقول الذَّهبي: "أفقه نساء الأمَّة على الإطلاق، ولا أعلمُ في أمَّة محمد - بل ولا في النساء مطلقًا - امرأةً أعلمَ منها".

وقد تَجاوز عدد الأحاديث التي روتْها ألفين ومائة حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي مشتهرة في كتب السنة: البخاري، ومسلم، والسنن، والمسانيد، وغيرها.

قال الحافظ الذهبي: مسند عائشة يبلغ ألفين ومائتين وعشرة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم لها على مائة وأربعة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، وانفرد مسلم بتسعة وستين[3].

ولا يخفى على الناظر في سير الصحابة رضي الله عنهم، كيف كان حال الأكابر منهم في الطلب والسماع والرواية، كأمثال عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن عمرو، وعبدالله بن مسعود، وعبدالله بن عباس، وأنس بن مالك، وأبي سعيدي الخدري، وأبي موسى الأشعري، وزيد بن أرقم، وسمرة بن جندب، وجابر بن عبد الله بن عمر بن حرام، رضي الله عنهم جميعًا.

__________________

[1] مجلة المنار: 19/25.

[2] سير أعلام النبلاء: 2/139-141.

[3] نفس المصدر

 

 

التعليقات

إضافة تعليق